الصناعات الثقيلة والحلم البعيد المنال

 نحن في بلداننا وما زلنا نحلم بتحقيق الحدود الدنيا من متطلبات الحياة فكيف بنا أن نفكر بدخول مشاريع صناعية ليست بعادية كالصناعات التجميعية أو الغذائية وانما صناعات ثقيلة. ما يفعله رجال الأعمال في بلدان العالم النامية لا يقتصر الا على شراء آلات صناعية يستثمرونها بانتاج مواد متدنية الجودة غالباً لتلبية الطلب في سوق جائع, لكن هل فكرت كيف لمثل هذه الآلات العظيمة أن تُصنع؟ هل تأتي من البلدان الصناعية الكبرى بهذه البساطة؟ وماذا عن الآلات والمعدات التي تتدخل لصناعة هذه الآلة التي يستثمر رجل الأعمال فيها أمواله لينتج لك سلعاً قد تحتاجها وقد لا تحتاجها.

كلمة السر لهذه التساؤلات كلها تكمن في الصناعات الثقيلة, القطاع الصناعي الأضخم على الإطلاق, القطاع ذو البيئة المغبرة والمتسخة والملوثة. القطاع الذي قد لا نعرف عنه أكثر من اسمه, ولربما نحتار في تحديد أي الصناعات هي ثقيلة وأيها خفيفة.

للصناعة نوعين رئيسيين, الصناعة الخفيفة والصناعة الثقيلة. وهذان النوعان يختلفان بعدة أشياء, قد يختلفان بالحجم و في مكانتهما في سلسلة التوريد, ويبقى الغرض الأساسي لكليهما هو تصنيع أو انتاج السلع.

 سلسلة التوريد: هي منظومة من المؤسسات، والناس، والتكنولوجيا، والأنشطة والمعلومات والموارد المطلوبة لنقل المنتجات أو الخدمات من الموردين إلى العملاء.فنشاطات سلسلة التوريد تقوم بتحويل الموارد الطبيعية والمواد الخام والمكونات إلى المنتج النهائي الذي يتم تسليمه إلى العميل النهائي.من خلال نظم متطورة في سلسلة التوريد تستخدم منتجات ربما تستطيع إعادة إدخال سلسلة التوريد في أي نقطة حيث القيمة المتبقية غير القابلة لإعادة التدوير.و سلاسل التوريد ترتبط بقيمة السلسلة [1]

 العمليات الشديدة التعقيد, وتصنيع منتجات ذات كتلة كبيرة وعلى نطاق واسع هو ما يعطي الصناعات الثقيلة اسمها. وتشمل هذه الصناعات تصنيع وسائل النقل الجماعي مثل السفن والقطارات ومصافي النفط وصناعات التعدين والصلب والصناعات التحويلية. وبما أن هذه الصناعات تعمل على نطاق واسع فانها تتطلب الكثير من الموارد مثل الطاقة والمال لتمويلها. وبالتأكيد هي بحاجة لتأمين المناطق الصناعية الكافية لعملها. اقتصادياً; الصناعات الثقيلة عادة ما تكون موجودة في القطاع الأولي الرئيسي أي التصنيع والبناء والقطاع الثانوي الذي يشمل الأنشطة المتصلة بتحويل المواد الخام الناجمة عن القطاع الأولي وتتعامل مع شركات الأعمال (B2B) وليس مع المستخدم النهائي.

فيلم قصير يعرف بشركة هيونداي للصناعات الثقيلة, ويركز على جميع  أقسامها مثل صناعة السفن ومعدات البناء..

على الجانب الآخر, فإن الصناعات الخفيفة تتضمن مجموعات صناعية أصغر مثل صناعة التجميع, المواد الغذائية والصناعات الالكترونية. وكما يوحي اسم الصناعات الخفيفة فانها تتطلب كميات أقل من الموارد وتتعامل مع حجم انتاج أصغر. نوع السلع قد يتراوح من الوجبات الجاهزة الى صناعة الهواتف, والتي يمكن أن تنتج في أماكن صغيرة مثل وحدة صناعية على العكس من الصناعات الثقيلة والتي تتطلب مصانع كبيرة.

يذكر أن الولايات المتحدة واليابان والصين هم حالياً بكل تأكيد الأعلى مرتبة بالتصنيع في العالم وتلعب الصناعة الثقيلة دوراً رئيسياً فى دفع النمو الاقتصادي السريع لهذه الدول وتحتل نسبة الصناعة الثقيلة الى القيمة المضافة الصناعية نصيب الأسد.


ساني للصناعات الثقيلة, إحدى أكبر مصنعي المعدات الثقيلة في العالم, الصين

إذاً وبشكل عام الفكرة هي في الاسم, الصناعة الثقيلة تشير الى الانتاج على نطاق واسع, وذلك باستخدام كميات كبيرة من الطاقة, والمساحات الواسعة, وكميات كبيرة من المواد. وفي الطرف الآخر, الصناعة الخفيفة تشير الى الانتاج والتصنيع على نطاق صغير وذلك باستخدام الوحدات الصناعية الصغيرة, وباستهلاك أقل بكثير للطاقة وكميات قليلة من المواد.

قد تتسائل هل بإمكان أي دولة أن تسير نحو تبني الصناعات الثقيلة؟ سأجيبك بنعم, على الأقل من وجهة نظري, فما رأيناه من دولة كاليابان هو ليس بمعجزة والشعب الياباني لم يأتي من كوكب آخر. بل هو يشاركنا إرثنا الانساني ذاته, وقد يعيب اليابان كاقتصاد بانه يمتلك القليل من الموارد الطبيعية وبالرغم من ذلك تعتبر الصناعات الثقيلة إحدى ركائز القوة الاقتصادية اليابانية, ما يعطيني على الأقل الحق في قول أن بإمكان أي دولة أن تسير قدماً نحو تطوير قطاعها الصناعي, فأمور مثل البحث عن التمويل وإنشاء المدن الصناعية وتأمين مستلزماتها وجميع البنى التحتية لها قد يدفع بالدخول بجرأة الى عالم الصناعات الثقيلة. ولن يعيب أي دولة ترغب بدخول عالم الصناعة أن تستعين بالخبرات الأجنبية, فاليابان كأحد أفضل الأمثلة بالنسبة لي استعانت بالخبرات الاجنبية فبعد سنوات الحرب العالمية الثانية المدمرة كانت اليابان في ذلك الوقت في بداية إعادة الإعمار والبناء الصناعي والاقتصادي مرة أخرى, فتم دعوة الدكتور إدوارد ديمنج والمهندس جوزيف جوران (صاحبا نظرية الجودة) لإلقاء عدة محاضرات في اليابان أمام رجال الأعمال والصناعيين والمهندسين والعمال وفي الجامعات اليابانية. [2]


كاوازاكي للصناعات الثقيلة – صناعة بناء السفن

قد أكون بعيداً جداً عن الواقع نظراً لما تعيشه معظم الدول العربية من ظروف اقتصادية وتعليمية, وقد أكون حالماً بعض الشيء ولكنني متأكد بأنني لست وحدي من يملك الرغبة وكل ما ينقصنا هو المقدرة التي تحتاج لتخطيط ودراسات وتظافر لجهود كثيرة لنتمكن من تحقيق هذا الحلم يوماً ما.

[1]. سلسلة توريد
[2]. اقتصاد اليابان

One thought on “الصناعات الثقيلة والحلم البعيد المنال

  1. سمة الدول النامية أن قطاع الخدمات يغلب على مشاريعها ويساهم بالنسبة الأكبر في الناتج المحلي الإجمالي ، وهذا القطاع يسيء للاقتصادات على المدى البعيد ، فالقيمة المضافة جدا محدودة مقارنة بالصناعات سواء كانت خفيفة ام ثقيلة ، ايضا لا يقدم أي تطور لبيئة الأعمال ، والحق يقع على الدول بتشريعاتها التي تصدر بشكل أعمى

    قانون الاستثمار رقم عشرة كان غرضه دعم الصناعات من خلال منح اعفاءات جمركية ، الغريب بالأمر أن نفس القانون كان موجوداً في مصر وثبت فشله على المدى البعيد ، ولازال مطبقاً بسورية واثبت فشله ايضا ، ثم تم الغاؤه . هذه القوانين التي تمنح اعفاءات عمياء لاتقدم فوائد لقطاعات صناعية مهمة .. مثلا تجد عندنا خمسين شركة نقل داخلي و لاتجد سوى مصنع كابلات واحد ..

    التكنولوجيا لم تعد حكراً على دولة ، الموارد اللازمة موجودة ، العمالة يمكن تدريبها ، كل ما نحتاجه هو الإيمان بأهمية قطاع الصناعات والتي تقدم قيمة مضافة اكبر من غيرها ، لا أن ننظر للمدى القريب ( 5-10 سنوات ) ونعتقد بأن مشاريع كالعلكة و المحارم هي المهمة

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s